منتدي جمعية الدراسات الاسلاميه
منتدي جمعية الدراسات الاسلاميه

منتدي تعليمي اجتماعي


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

مقدمة ابن خلدون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 مقدمة ابن خلدون في السبت مايو 04, 2013 6:37 pm

ادريس الادريسي

avatar
Admin
Very Happy الحث مقدم لكم من اخوكم ادريس مهدي حول مقدمة ابن خلدون الرائعه Very Happy
لاقة مٌؤلَف ابن خلدون التاريخي (العبر) بالمقدمة
د. فيروز عثمان صالح عثمان

مقدمة:-
يعتبر تاريخ ابن خلدون بمقدمته الشهيرة أروع ما كتب , وقد سمى ابن خلدون مُؤلَفَه التاريخي ب "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" . وهذا المؤلف التاريخي يتكون من نفس الكتاب ومقدمته وكذلك "التعريف بابن خلدون" الذي ذيلّ بها ابن خلدون تاريخه.
وتحتل مقدمة ابن خلدون مكاناً بارزاً بين كتب التراث ولم يبالغ أرسلان حينما وصفها بأنها خزانة علوم اجتماعية وسياسية واقتصادية وأدبية ( [1]) , وابعد من ذلك ما قرره مرغليوث بأنه لا مثيل لها في الأدب العربي . ( [2])
والذي يعنينا في هذه الدراسة من مقدمة ابن خلدون جانب "منهج الكتابة التاريخية" لمعرفة مدى تطبيق ابن خلدون لتلك المنهجية عند شروعه في كتابة مؤلفه التاريخي فقد نبّه ابن خلدون في مقدمته إلي جملة من المبادئ والشروط التي يجب على المؤرخ أن يلتزم بها عند كتابته للتاريخ وإلا وقع في المغالط، والتي منها على سبيل المثال : معرفة طبائع العمران وقواعد الاجتماع البشري , والبعد عن التقليد ومراعاة التغير والتبدل الذي يطرأ على الكون والخليقة , والاعتدال وعدم التشيع لرأي أو مذهب .... بالإضافة إلى تلك الشروط والمبادئ, فعلى المؤرخ عند تدوينه للتاريخ وتفسيره للأخبار والوقائع أن يراعي جملة من القوانين المنهجية والتفسيرية والتي نوجزها في قانون (السببية) أو (العلية) وقانوني (التشابه) و(التباين)، وكذلك قانون (المطابقة) والذي بموجبه يتأكد المؤرخ من موافقة الخبر ومطابقته لعوائد وأحوال المجتمع, فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار وتحمل عليها الروايات والآثار. ويقدم قانون المطابقة على منهج الجرح والتعديل في الأخبار التاريخية . ( [3])
الحقل التاريخي للعبر:-
لدراسة علاقة العبر بالمنهجية التاريخية التي صاغها ابن خلدون في المقدمة أو الكتاب الأول كما يسميه ابن خلدون لابد أن نبين حدود هذا التاريخ, بعبارة أخرى أن نحدد الحقل التاريخي للعبر.
والواقع فان ابن خلدون كان ينوي أن يقصر تاريخه على بلاد المغرب العربي إذ يقول (وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي أما صريحاً أو مندرجاً في أخباره وتلويحاً لاختصاص قصدي في التأليف بالمغرب من الأقطار ) ( [4])ويعلل ابن خلدون ذلك قائلاً (لعدم اطلاعي على أحوال المشرق وأممه وان الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده) ( [5]).
ولكن يبدو أن ابن خلدون قد غير مساره بعض الشئ , فان ثمة إضافات قد ألحقها بالنسخة الأصلية بعد ارتحاله إلي المشرق يقول ابن خلدون موضحاً ذلك (ثم كانت الرحلة إلي المشرق لاجتناء أنواره وقضاء الفرض والسنة ...... فزدت ما نقص من أخبار ملوك العجم بتلك الديار , ودول الترك فيما ملكوه من الأقطار , وأتبعت بها ما كتبته في تلك الاسطار، وأدرجتها في ذكر المعاصرين لتلك الأجيال من أمم النواحي وملوك الأمصار والضواحي ) ( [6]) ثم أضاف ابن خلدون قائلاً (فاستوعب أخبار الخليقة استيعاباً). ( [7])
وفي موضع آخر من المقدمة حدد ابن خلدون حقله التاريخي قائلاً (ولم اترك شيئاً في أولية الأجيال والدول, وتعاصر الأمم الأول) ( [8])
والتحديد الأخير يوحي بأن تاريخ ابن خلدون هو تاريخ كوني أو عالمي. رغم أنه قد أكد على أن تاريخه قاصر على تاريخ المغرب (لاختصاص قصدي في التأليف بالمغرب وأحواله وأجياله وأممه) ( [9])
من الواضح أن تاريخ الأمم كتبه ابن خلدون ليبين موقع التاريخ الأول (تاريخ العرب والبربر) ضمن مختلف حقب التاريخ الكوني إذ يقول(ولما كان مشتملاً على أخبار العرب والبربر , من أهل المدر والوبر , والالماع بمن عاصرهم من الدول الكبرى ...... سمّيته كتاب العبر)( [10]).
فالموضوع الأساسي في (العبر) هو تاريخ العرب والبربر والتواريخ الأخرى معالجة بشرطين أساسيين يلخصهما على أومليل في الآتي :-
أن كل تاريخ خاص لابد له أن يتموضع بالنسبة للتاريخ الكوني , وثانيهما أن تلك التواريخ لها علاقة بتاريخ العرب والبربر , وهي علاقة المعاصرة ( [11]).
واهتمام ابن خلدون بتاريخ الترك يتعلق باعتبارات ذات طبيعة نظرية فصاحب المقدمة وجد عند الترك كمجتمع وكتاريخ حقلاً ممتازاً للتدليل على نظرياته المتعلقة بالعمران، وخلاصة الأمر كما بين أومليل فان (توسيع كتاب العبر لم يؤد إلى أكثر من توسيع حقل التطبيق لنظرية صيغت في المغرب , ومن ثم فان نظرياته التاريخية الخلدونية لا تشمل مجموع التاريخ , بل تتعلق بتاريخ معين : هو التاريخ الذي يتناول الشعوب ذات البنية القبلية , أي يتناول بالذات الشعوب التي تعمل فيها العصبية، بصفتها عاملاً محدداً للتطور التاريخي ) ( [12])
وفي إطار هذا التحديد للحقل التاريخي للعبر سنحاول أن نبين مدى تطبيق ابن خلدون لمنهجيته التاريخية التي قررها في المقدمة, فقد حاول ابن خلدون أن ينطلق من المقدمة – بكل ما احتوته من قواعد ومبادئ منهجية- لتنفيذ مشروعه التاريخي الضخم “العبر". وكما يقول نصار فان (العلاقات الداخلية بين (المقدمة) والكتابين الآخرين تنطلق من المقدمة لا العكس) ( [13])
تفسير ابن خلدون للإحداث التاريخية في إطار مفهوم العصبية وقواعد العمران:-
قرر ابن خلدون في مقدمته أن موضوع التاريخ هو العمران أو الاجتماع وسائر ما يحدث فيه من "أحوال" ( [14]) وبذلك أصبحت مهمة المؤرخ تتناول كل الظاهرات الاجتماعية للنشاط الإنساني( [15])، بل والواقعات السياسية والاقتصادية والثقافية, وكذلك الجماعات وبنيتها وحالتها النفسية والاجتماعية.( [16])
والمتتبع للعبر يلحظ أنّ ابن خلدون قد قام بمعالجة وتفسير الكثير من الأخبار التاريخية استناداً على مفهوم العصبية وقواعد الاجتماع والعمران. وإذا تقرر أن المقصود بالعمران "الاجتماع البشري" فماذا يعني ابن خلدون بالعصبية.
العصبية والتعصب تعني المحاماة والمدافعة, وتعصبنا له ومعه نصرناه,( [17]) وعصبة الرجل : بنوه وقرابته لأبيه , وإنّما سمّوا عصبة لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به فالأب طرف والابن طرف , والعم جانب والأخ جانب والجمع العصبات ( [18]) ،وابن خلدون يقرر أن العصبية تنبني على القرابة والتي تنشأ عنها مناصرة ذوي الأرحام والنعرة عليهم , وأنه بجانب ذوي الأرحام فان العصبية تشمل أهل الولاء والحلف إذ يقول (إن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل , ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة ........ ومن هذا الباب الولاء والحلف.... ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ", بمعنى إن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة) ( [19])
بالإضافة إلي عصبية القرابة والولاء والحلف فانّ ابن خلدون قد أشار في مقدمته إلي نوعين من العصبية وهما : عصبية الدخالة ، وهي التي تنشأ نتيجة لفرار فرد من قومه ونسبه ودخوله إلي قوم ونسب أخر ( [20])وكذلك عصبية الرق والاصطناع والتي تنتج نتيجة لإصناع أهل العصبية قوماً من غيرهم أو استرقاقهم العبدان والموالي والتحامهم بهم حتى يضرب معهم أولئك الموالي والمصطفون بنسبهم في تلك العصبية وينتظموا فيها مساهمة في نسبها كما قال صلى الله عليه وسلم : مولى القوم منهم وسواء) .( [21])
وبالرغم من أن العصبية مفهوم معقد كما ذهب ايف لاكوست ( [22])وبالرغم من أن هنالك صعوبة في إعطاء تفسير يعكس كل ديناميكية العصبية كما يراها ابن خلدون كما ذهب ربيع ( [23])فان ثمة محاولات قد جاءت من قبل العلماء والباحثين لتحديد هذا المفهوم عند ابن خلدون وإبراز زوياه ( [24])
يرى روزنتال أن العصبية هي القوة المحركة لمصير الدولة( [25]) وقد أشاد لاكوست بهذا التعريف ، وأكد أن القبيلة والدولة لا تستطيع الاستيلاء على دولة ثم الاحتفاظ بها إلا إذا كانت تتمتع بخصائص اجتماعية وسياسية أطلق عليها ابن خلدون اسم العصبية ( [26])ويؤكد الجابري أن العصبية هي القوة قائلاً (فالعصبية عند ابن خلدون تعني أساسا القوة الجماعية التي تمنح القدرة على المواجهة , سواء كانت المواجهة مطالبة أو دفاعاً)( [27]).
الواقع فانّ ابن خلدون بالفعل – كما ذهب هؤلاء الباحثين _ يعتبر العصبية هي المصدر الوحيد للقوة , ويقرر في كثير من المواضع أن ظاهرة العصبية يتلازم وجودها مع وجود القوة إذ يقول (وإذا تبين ذلك في السكني التي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليه من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة , إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء ولابد في القتال من العصبية كما ذكرناه آنفا) ( [28]), وكذلك يقول (إن كل أمر تحمل عليه الكافة فلابد له من العصبية وفي الحديث الصحيح كما مر ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه , وإذا كان هذا في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد فما ظنك بغيرهم أن لا تخرق له العادة في الغلب بغير عصبية)( [29]).
قاعدة العزة بالكثرة:-
وبعد أن بيّنا مفهوم العصبية ينبغي أن ندلل على أن ابن خلدون قام بتفسير الكثير من الأحداث والوقائع التاريخية استنادا على هذا المفهوم واستناداً على طبائع وعوائد العمران. فعلى سبيل المثال حينما تحدث ابن خلدون في تاريخه عن "بني عبد مناف" حاول أن يفسر قوة وعزة "بني أمية" وتفوقها على "بني هاشم" في إطار قواعده الاجتماعية , فقرر أن هذه العزة والتفوق أنما يعود لكثرة رجال بني أمية فالعزة بالكثرة (كان لبني عبد مناف في قريش جمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيها احد من سائر بطون قريش وكان فخذاهم بنو أمية وبنو هاشم حيا جميعا ينتمون لعبد مناف وينسبون إليه وقريش تعرف ذلك وتسأل لهم الرياسة عليهم إلا أن بني أمية كانوا أكثر عدداً من بني هاشم وأفر رجالا والعزة إنما هي بالكثرة، قال الشاعر : وإنما العزة للكاثر) .( [30])
ونرى أن ابن خلدون في مواضع كثيرة من تاريخه يستصحب معه قاعدة "العزة للكاثر" . فنراه يربط القوة والتقدم بالكثرة , فحينما تحدث عن الاثبج في الفصل المعنون ب"الخبر عن دخول العرب من بني هلال وسليم المغرب من الطبقة الرابعة وأخبارهم هناك" قال (كان هؤلاء الاثبج من الهلاليين أوفر عددا وأكثر بطونا وكان التقدم لهم في جملتهم) .( [31])
وكذا حين تحدث عن بنو مالك بن زغبة وبطونهم سويد والعطاف والديالم قرر أن لسويد عزة على العطاف والديالم لكثرتها قائلاً (وهؤلاء العطاف والديالم أقل عددا من سويد ... ولسويد عليهم اعتزاز بالكثرة) .( [32])
وكذلك أرجع السبب في مكانة هسكورة _ إحدي قبائل المصامدة _ واعتزازها بين الموحدين إلي كثرتهم إذ يقول (هسكورة وهم أكثر قبائل المصامدة ... فكان لهم بين الموحدين مكان واعتزاز بكثرتهم وغلبهم).( [33])
وكذلك نجده كلما تحدث عن (قوة) قبيلة جعل (الكثرة) لازمة من لوازمها فيتحدث عن مرنجيصة إحدى بطون يفرن قائلاً (كان هذا البطن من بني يفرن بضواحي أفريقية وكانت لهم كثرة وقوة) ( [34])وكذلك حينما يتحدث عن مغراوة إحدى بطون زناتة يتلازم الغلب والقوة مع الكثرة والسعة إذ يقول (هؤلاء القبائل من مغراوة كانوا أوسع بطون زناتة وأهل البأس والغلب منهم) ( [35])
هكذا نجد ابن خلدون في مواضع عديدة من تاريخه يفسر العزة والقوة في إطار إحدى قواعده التي أشار إليها في مقدمته، فقد كتب في مقدمته فصلا قرر فيه أن "عظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة" ويوضح ابن خلدون السبب في ذلك قائلا (والسبب في ذلك أن الملك إنما يكون بالعصبية، وأهل العصبية هم الحامية الذين ينزلون بممالك الدولة وأقطارها وينقسمون عليها، فما كان من الدولة العامة قبيلها وأهل عصابتها أكثر كانت أقوى وأكثر ممالك وأوطانا، وكان ملكها واسع لذلك) .( [36])
علاقة العصبية ببعض الأحداث التاريخية الهامة:-
وليست قاعدة "العزة للكاثر" هي القاعدة الوحيدة التي استصحبها ابن خلدون عند حديثه عن بني عبد مناف، فابن خلدون قد فسر ما كان من منازعات بين قبائل قريش في إطار ظاهرة "العصبية" . فهو يؤكد أن استفحال العصبية التي نهى عنها الإسلام هي سبب تلك المنازعات قبل الإسلام , ويقرر أن الفتن والحروب قد قلت بعد ظهور الإسلام لان الإسلام قد نهى عن العصبية والتفاخر بالآباء , واعتاض عنه بالعصبية الطبيعية، والتي هي ضرورية في الجهاد والدعوة إلي الدين، أما المشركون فقد شغلهم أمر الدين الجديد عن العصائب . يقول ابن خلدون موضحا ذلك (ولما جاء الإسلام ودهش الناس لما وقع من أمر النبوة والوحي وتنزل الملائكة وما وقع من خوارق الأمور ونسي الناس أمر العصبية مسلمهم وكافرهم, أما المسلمون فنهاهم الإسلام عن أمور الجاهلية وفخرها ... وأما المشركون فشغلهم الأمر العظيم عن شأن العصائب وذهلوا عنه حينا من الدهر، ولذلك افترق أمر بني أمية وبني هاشم بالإسلام . إنما كان الافتراق بحصار بني هاشم في الشعب لا غير، ولم يقع كبير فتنة لا جل نسيان العصبيات والذهول عنها بالإسلام، حتى كانت الهجرة وشرع الجهاد ولم يبق إلا العصبية الطبيعية التي لا تفارق وهي بعزة الرجل على أخيه وجاره في القتل والعدوان عليه فهذه لا يذهبها شئ ولا هي محظورة بل هي مطلوبة ونافعة في الجهاد والدعاء إلي الدين) .( [37])
ويمضي ابن خلدون في تناول الأخبار التاريخية وتعليل الوقائع في إطار قواعد وطبائع العمران , فيقرر انه وبعد مقتل عثمان _ رضى الله عنه _ قد تفوق جيش معاوية على جيش عليّ برغم كثرة ووفرة عساكر عليّ- رضي الله عنه- لأنه وبالرغم من كثرة عدده كان يتكون من عصائب عديدة بينما كان جيش معاوية من قريش شوكة مضر , مما جعله أشد عصبية ومما كان له ابلغ الأثر في الانتصار , يقول ابن خلدون موضحا ذلك (ولما هلك عثمان واختلف الناس كانت عساكر عليّ أكثر عددا لمكان الخلافة والفضل إلا أنها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم، وجموع معاوية إنما هي جند الشام من قريش شوكة مضر وبأسهم نزلوا بثغور الشام منذ الفتح فكانت عصبيته أشد وأمضى شوكة، ثم كسر من جناح عليّ ما كان من أمر الخوارج وشغله بهم) .( [38])
وكذلك ارجع ابن خلدون السبب في انقسام الدولة الإسلامية إلي دول بعد افتراق الخلافة إلي تعدد العصائب , وأرجع ما كان من قوة وتماسك الدولة الإسلامية في زمان الخلافة الراشدة وبني أمية من بعدهم إلي استحكام عصبية واحدة وهي عصبية العرب إذ يقول (لم يزل أمر الإسلام جميعا دولة واحدة أيام الخلفاء الأربعة وبني أمية من بعدهم لاجتماع عصبية العرب , ثم ظهر بعد ذلك أمر الشيعة وهم الدعاة لأهل البيت , فعلت دعاة بني العباس على الأمر واستقلوا بخلافة الملك ولحق الفل من بني أمية بالأندلس، فقام بأمرهم فيها من كان هنالك من مواليهم ومن هرب فلم يدخلوا في دعوة بني العباس , وانقسمت لذلك دولة الإسلام لدولتين لافتراق عصبية العرب , ثم ظهر دعاة أهل البيت بالمغرب والعراق من العلوية ونازعوا خلفاء بني العباس واستولوا على القاصية من النواحي كالأدارسة بالمغرب الأقصى، والعبيديين بالقيروان ومصر، والقرامطة بالبحرين، والدواعي بطبرستان، والديلم والاطروش فيها من بعده وانقسمت دولة الإسلام بذلك دولا متفرقة ) .( [39])
إن إرجاع انتصار جيش معاوية على جيش عليّ _ رضي الله عنهما _ إلي تعدد عصائب جيش عليّ , وإرجاع ما كان من انقسام في الدولة الإسلامية بعد الخلافة الراشدة وبني أمية إلي السبب ذاته , لم يخرج عن ما قرره في المقدمة من أن "الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة" . ويذكر ابن خلدون السبب قائلاً (والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وانّ وراء كل رأي منها وهوى عصبية تمانع دونها فيكثر الانتقاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت وان كانت ذات عصبية، لان كل عصبية ممن تحت يدها تظن في نفسها منعة وقوة) .( [40])
أثر العصبية في اشتراط القرشية في خليفة المسلمين:-
بالإضافة إلي ما سبق من معالجات متميزة لابن خلدون لبعض الأحداث والوقائع التاريخية , فانه حينما تحدث في مقدمته عن شروط الخليفة أو الأمام ( [41]) تناول شرط "القرشية" بشئ من التحليل الذي استند فيه على قواعد الاجتماع وعلى ظاهرة العصبية بالإضافة إلي المستند الديني أو الفقهي . فقد قرر ابن خلدون أن شروط الخليفة أربعة ونبه إلي الاختلاف في الشرط الخامس والذي هو شرط القرشية إذ يقول (وأما شروط هذا المنصب فهي أربعة: العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل، وأُختلف في شرط خامس وهو النسب القرشي)( [42])
وقبل أن نقف على رأي ابن خلدون في هذا الشرط المختلف حوله نسلط الضوء على آراء العلماء فيه.
ذهب جمهور أهل السنة والشيعة وبعض المعتزلة إلي أنه ينبغي أن يكون الإمام قرشياً واستدلوا بأحاديث صحيحة مرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم تنص على أن "الأئمة من قريش". ( [43])
واستدلوا أيضا بالإجماع في عهد الصحابة، ومن الذين استدلوا بالإجماع النووي والماوردي والإيجي والتفتازاني .( [44])
أما الخوارج وبعض المعتزلة وأبو بكر الباقلاني فقد ذهبوا إلي عدم اشتراط النسب القرشي وجوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش.
واستدل هؤلاء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اسمعوا وأطيعوا وان استعمل عليكم عبد حبشي كأنّ رأسه زبيبة)( [45]) ويفهم من هذا الحديث أن الطاعة واجبة لكل أمير قرشياً كان أو غير قرشي.
واستدلوا بقول عمر –رضي الله عنه- : " لو كان سالم مولي أبي حذيفة حيا لو ليته ،أو لما دخلتني فيه الظنة( [46]) وجه الدلالة في قول عمر- رضي الله عنه- أنه يرى استخلاف غير القرشي كسالم مولى ابن حذيفة.
أما ابن خلدون فقد ذهب مع الفريق القائل باشتراط النسب القرشي( [47]), واحتج بما احتجوا به من أدلة مثل قوله صلى الله عليه سلم:"الأئمة من قريش"( [48]) وقوله "صلى الله عليه وسلم":"لا يزال هذا الأمر في هذا الحي من قريش" ( [49])
وفنّد ابن خلدون حجج من ذهبوا إلي عدم اشتراط النسب القرشي في الإمام فأكّد ابتدءً أنهم ما تبنوا هذا الرأي إلا حينما ضعف أمر قريش وتلاشت عصبيتهم وتغلبت عليهم الأعاجم وصار الحل والعقد لهم فاشتبه ذلك عليهم حتى ذهبوا إلي نفي اشتراط القرشية , وأكد أن الغرض من قوله "صلى الله عليه وسلم" :"أسمعوا وأطيعوا وان ولي عليكم عبد حبشي ذو زبيبة" المبالغة في إيجاب السمع والطاعة لذلك فلا تقوم به حجة , وأما ما نقل عن عمر أنه قال "لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته"( [50]) فأكد أنه ليس حجة لان مذهب الصحابي ليس بحجة، وأيضا لان عصبية الولاء حاصلة لسالم في قريش لان مولى القوم منهم . ( [51])
لم يكتف ابن خلدون بهذه المعالجة الفقهية, وقرر أن الأمر أبعد من التبرك بوصلة النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول( ومقصد الشارع منه لم يقتصر فيه على التبرك بوصلة النبي صلى الله عليه وسلم) .( [52]) فما هي المصلحة من اشتراط النسب كما رآها ابن خلدون.
الواقع فان ابن خلدون قد حاول إن يعالج مسألة اشتراط النسب القرشي في الإمام في إطار قواعده الاجتماعية فارجع اشتراط القرشية لما كان لقريش من العصبية الغالبة والعزة على سائر العرب إذ يقول (وذلك أن قريش كانوا عصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب منهم ... فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك ويستكينون لغلبهم) ( [53]) والعصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة ويرتفع بها الخلاف والفرقة هي مقصد الشارع من ذلك الشرط يقول ابن خلدون( فلابد أذن من المصلحة في اشتراط النسب وهي المقصودة من مشروعيتها وإذا سبرنا وقسمنا لم نجدها إلا اعتبار العصبية التي بها الحماية والمطالبة ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب فتسكن إليه الملة وأهلها وينتظم حبل الإلفة)( [54]).
إذن فقد قرر ابن خلدون أن مقصد الشارع من اشتراط النسب في الإمام هي اعتبار العصبية, ولما كانت عصبية قريش هي العصبية الغالبة على سائر العرب, فقد اشترط في الإمام أن يكون قرشياً. ويؤكد ابن خلدون أنه لو جعل الأمر في سواهم لكان افتراق الكلمة وكان الخلاف متوقعا , وهو الأمر الذي حذر منه الشارع , وبانتظام كلمة قريش تنتظم كلمة مضر فتنقاد إليهم سائر العرب والأمم وسواهم، كما وقع في أيام الفتوحات واستمر بعدها في الدولتين إلي أن أضمحل أمر الخلافة، وتلاشت عصبية العرب.( [55])
إذن فقد قرر ابن خلدون أن ذلك الشرط القائم على أدلة شرعية ودينية , كان يتماشى في الوقت ذاته مع مقتضيات وضرورات اجتماعية ووجودية , فقد كان لا بد له لدفع التنازع بين القبائل التي لا تستكين إلا لمن لها العزة والغلب . وأكّد ابن خلدون أن الوجود يشهد بذلك فقل أن يكون الأمر الشرعي مخالفاً للأمر الوجودي إذ يقول (ثم أن الوجود شاهد بذلك فأنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب عليهم، وقلّ أن يكون الأمر الشرعي مخالفاً للأمر الوجودي) .( [56])
هل نفهم من كل ما مضي أن الخلافة الإسلامية قد أقيمت على مقتضى القوة والغلب , وكيف نفسر ما حدث يوم السقيفة , وما نقله ابن خلدون في تاريخه عن ذلك اليوم من أحداث تكشف أن اختيار الخليفة قد تم بالاختيار والشورى ؟ حيث احتجت قريش على الأنصار لما همّوا يومئذ ببيعة سعد بن عبادة وقالوا منّا أمير ومنكم أمير بقوله صلى الله عليه وسلم "الأئمة من قريش"، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا بأن نحسن إلي محسنكم ونتجاوز عن مسيئكم، ولو كانت الإمارة فيكم لم تكن الوصية بكم فحجوا الأنصار ورجعوا عن قولهم منّا أمير ومنكم أمير وعدلوا عما كانوا همّوا به من بيعة سعد حتى اقبل الناس من كل جانب مبايعين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه( [57]).
هل أراد ابن خلدون أن يقول في مقدمته : أن الخلافة قد قامت على الغلب وفي الوقت ذاته إن يقول في تاريخه أنها قامت على الاختيار والشورى ؟ .
وللإجابة على هذا السؤال نؤكد ابتداءً ما قررناه سابقا من أن العلاقات الداخلية بين "المقدمة" و "العبر" تنطلق من "المقدمة" لا العكس . ونتفق مع نصار في أنه لم يأت تنفيذ مشروع الرواية التاريخية إلا كمحاولة لعرض نسيج الواقعات التي تحمل "المقدمة" نظرياتها ( [58])
وبذلك نؤكد أنه ليس ثمة تعارض لمعالجة ابن خلدون لمسألة اختيار الخليفة واشتراط النسب القرشي في (المقدمة) وفي (العبر) . فابن خلدون قد قرر أن الخلافة تمت بالاختيار وبانحياز الصحابة إلي الأدلة التي تؤكد اشتراط النسب القرشي , وفي الوقت نفسه أكّد أن ذلك كان يتماشى مع ضرورات اجتماعية ووجودية فلابد من اعتبار العصبية الغالبة ، وارجع هذا التوافق الشرعي والوجودي إلي قاعدة عامة قرر فيها أنه "قل أن يكون الأمر الشرعي مخالفا للأمر الوجودي."( [59])
الواقع فان تناول ابن خلدون لمسألة اشتراط النسب القرشي في الإمام تكشف عن عبقريته الفذة، فابن خلدون لم يكتف بالمعالجة الشرعية لهذه المسألة بل عالجها في إطار قواعد العمران والاجتماع التي أدت به إلى القول بأن مقصد الشارع من النسب القرشي يتعلق بالعصبية وأنه استناداً على ذلك وباطراد العلة فانه لا بد أن تكون عصبية الإمام هي العصبية الغالبة في كل زمان ومكان .
الفتوحات الإسلامية وعلاقتها بوحشية الأمم والحوافز المادية:-
ومن القواعد التي وضعها ابن خلدون في( كتابه الأول) _ أي المقدمة _ وانطلق منها إلي (العبر) قاعدة يقرر فيها: أنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع والسبب في ذلك أنهم أقدر على التغلب والاستبداد, لقدرتهم على محاربة الأمم سواهم
ولعدم تعلقهم وارتباطهم بأرض معينة: إذ يقول في الفصل المعنون (في أنه إذا كانت الأمم وحشية كان ملكها أوسع" , وذلك لأنهم أقدر على التغلب والاستبداد كما قلناه واستعباد الطوائف لقدرتهم على محاربة الأمم سواهم، ولأنهم يتنزلون من الأهلين منزلة المفترس من الحيوانات العجم ،وهؤلاء مثل العرب وزناته ومن في معناهم من الأكراد والتركمان وأهل اللثام من صنهاجه , وأيضا فهؤلاء المتوحشون ليس لهم وطن يرتافون منه ولا بلد يجنحون إليه , فنسبة الأقطار والمواطن إليهم على السواء , فلهذا لا يقتصرون على ملكة قطرهم وما جاورهم من البلاد , ولا يقفون عند حدود أفقهم بل يظفرون إلي الأقاليم البعيدة ويتغلبون على الأمم النائية)( [60]).
إذن فقد ربط ابن خلدون الفتح والتغلب والاستبداد بوحشية الأمة , وقد أورد لنا ابن خلدون شواهد في (المقدمة) وفي (العبر) تؤكد ذلك ، فالخليفة عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ عند فتح العراق حرّض المسلمين وحرك فيهم الحوافز التي تدفعهم إلي الفتح , وكان أول ما حرك هو الأشواق إلي مباهج الدنيا ومنافعها يقول ابن خلدون (وأنظر ما يحكي في ذلك عن عمر رضي الله عنه , لما بويع وقام يحرّض الناس على العراق فقال أن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة" ( [61])ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك ) ( [62])أي أن ابن خلدون أراد أن يقول إن عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ لما كان يعلم إن حقيقة العرب انه الجيل الذي معاشهم في كسب الإبل والقيام عليها في ارتياع المرعى وانتجاع المياه فقد حرضهم على فتح العراق لطلب الكلأ وغيرها من المنافع الدنيوية ، ثم ذكر ابن خلدون إن عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ قد استحث بعد ذلك في المسلمين روح الجهاد لينالوا ما وعدهم الله في الكتاب من ارض قائلا "أين القُرّاء المهاجرين عن موعد الله سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها فقال ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" ( [63]) ثم يؤكد ابن خلدون بعد ذكره لذلك الشاهد وغيره أن الأمم الوحشية يكون ملكها أوسع "وهذا شأن هذه الأمم الوحشية فلذلك تكون دولتهم أوسع نطاقا وابعد مراكزها نهاية"( [64]).
هل أراد ابن خلدون إن يربط انتصار العرب المسلمين في الفتوحات بأسباب واعتبارات ذات علاقة بخصائص هذه الشعوب وتركيبها وصفاتها الوحشية, بعيدا عن الأسباب والاعتبارات الروحية والدينية ؟
الواقع فإننا لا نمضي كما مضى مصباح العاملي إلي ذلك القول , فهو- أي العاملي- يؤكد ذلك قائلا (ورد حديث ابن خلدون عن خطاب عمر في سياق فصل في المقدمة تحت عنوان :"في أنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع" , يعرض فيه أسباب قوة البدو والحوافز التي تدفعهم إلي الفتح , وهي دوافع صادرة عن مقتضيات الأرض وليس عن مقتضيات السماء) ( [65])بل يمضي العاملي ابعد من ذلك فيؤكد استنادا على تأويله لعبارات ابن خلدون أن عمر _ رضي الله عنه _ أراد إن يبني دولة الإسلام على الغلب والقوة , وانه لو أراد أن يبنيها على قوانين السماء لما تم له ذلك ( ولم يكن أمام عمر سوى خيار واحد ، ان عليه إن يبني دولة العرب وليس له أن يبنيها إلا على مقتضي القوة والغلب , ولو انه سعى إلي إقامتها على قوانين السماء لما كانت الدولة العربية ولما تحقق حلم صاحب الدعوة في جمع شمل العرب وتأسيس سلطتهم العامة لرد الضيم عنهم ولدفعهم إلي الأمام في مراتب الحضارة). ( [66])
الواقع فان هذا الباحث قد ذهب بعيدا في تأويله للقاعدة التي ذكرها ابن خلدون "في أنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع". فتأكيد ابن خلدون على عامل القوة والوحشية في انتصارات العرب المسلمين لا يعني بالضرورة نفي العوامل الأخرى كالعامل الديني والروحي , وليس في عباراته ما يوحي بذلك، والأبعد من ذلك أن ابن خلدون قد أكد في أكثر من موضع في المقدمة على أهمية العامل الديني فنجده يفرد فصلا يقرر فيه أن "الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين أما من نبوة أو دعوة حق" ( [67]) ووضح ابن خلدون السبب قائلا (وذلك لان الملك إنما يحصل بالتغلب , والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه) .( [68])
وفي الفصل الذي يليه يقرر ابن خلدون أن "الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها" ( [69])ويؤكد في ذات الفصل أنه حينما تفسد صبغة الدين يصير الغلب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين إذ يقول Sadواعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدين وفسدت كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين) . ( [70])
إنّ تلك الشواهد تؤكد لنا أن ابن خلدون لم يذهب إلي القول بأن تغلب العرب وانتصاراتهم في الفتوحات قد ارتبطت بدوافع الأرض دون السماء كما أكّد العاملي, بل أن ذلك قد تم لتفاعل تلك الدوافع معا , فالأسباب والعوامل الروحية والدينية قد ارتبطت بتلك الأسباب التي تتعلق بخصائص هذه الشعوب الضاربة في البداوة والوحشية.
وعمر ابن الخطاب _ رضي الله عنه _ كان يعي كل الوعي أن الإسلام هو دين الواقعية( [71]), وانه دين الوسطية الذي جاء ليوازن بين المادية والروحية. ( [72]) فنجده _ رضي الله عنه _ في الفتوحات يحرك في المسلمين الحافز الروحي والمادي , وكتاب العبر يذخر بالشواهد التي تؤكد ذلك , فبالإضافة إلي ما ذكرناه من أن عمر _ رضي الله عنه _ قد رغّب المسلمين في العراق لطلب الكلأ ولطلب الجهاد , فانه يورد شواهد تؤكد ما كان للعامل الديني وما كان للدوافع الأخرى من اثر في الفتوحات .
فمن ذلك أنه حينما بعث عمر _ رضي الله عنه _ يعلي بن أمية إلي اليمن بين له أن دوافع الفتح دينية حيث أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك , وحتى لا يترك دينان بأرض العرب، يقول ابن خلدون موضحا ذلك (فكان بعث أبي عبيد هذا أول بعث بعثه عمر ثم بعث بعده يعلي بن أمية إلي اليمن وأمره بإجلاء أهل نجران لوصية رسول صلى الله عليه وسلم بذلك في مرضه , وقال أخبرهم إنّا نجليهم بأمر الله ورسوله أن لا يترك دينان بأرض العرب ثم نعطيهم أرضا كأرضهم وفاءً بذمتهم كما أمر الله)( [73]).
ونجد في العبر شواهد على ما كان للجانب المادي من أثر على الحث على الجهاد , من ذلك أن زهرة بن حيوة استطاع في معركة القادسية أن يقتل جالينوس ويأخذ سلبه , فما كان من سعد ابن علقمة إلا أن أوقف عطائه , فلما علم عمر – رضي الله عنه- بالأمر أنكر على سعد صنيعه وطلب منه إمضاء سلبه له بل وتفضيله على أصحابه في العطاء ( [74]) , لان عمر _ رضي الله عنه _ كان يدرك واقعية الإسلام وما للحوافز المادية من أثر في الجهاد وغيره .
وكذلك في اخبار القادسية نجد رستم والمغيرة بن شعبة يتفاوضان ونجد المغيرة في نهاية الأمر يخير رستم بين الإسلام أو الجزية أو القتال، ولا يكتف بذلك بل يؤكد أن ثمة دوافع مادية تقف وراء الفتح حيث أن عيال المسلمين قد ذاقوا طعام أرضهم فقالوا لا صبر لهم عنه، ويخبرنا بذلك ابن خلدون قائلاً (ثم ذكر – أي المغيرة - مثل ما تقدم أي التخيير بين الإسلام أو الجزية أو القتال ثم قال وان عيالنا ذاقوا طعام بلادكم فقالوا لا صبر لنا عنه) ( [75])
العصبية وأثرها في الخروج علي عثمان رضي الله عنه:-
ومن المعالجات التي تميّز بها ابن خلدون عن غيره من المؤرخين، مسألة الخلاف الذي دار حول عثمان – رضي الله عنه والخروج عليه والذي أدي إلى مقتله رضي الله عنه.
الواقع فانّ ابن خلدون قد حاول أن يعالج تلك المسألة في إطار قواعد العمران وفي إطار ظاهرة العصبية، فذكر- في تاريخه- انه وبعد استكمال الفتح وتفرق العرب بالأمصار قد آلت الرئاسة إلى قريش وأهل الحجاز دون سائر العرب، وأورد الأسباب التي جعلت العرب يقبلون ذلك الوضع رغم وعيهم التام بدورهم في الفتوحات، فهم يعترفون لأهل السابقة بالفضل ثم أنهم كانوا قريبي العهد من نزول الوحي والنبوة إذ يقول (فلم يكونوا – أي سائر -العرب – من تلك الصحبة بمكان إلا قليلا منهم وكان لهم في الفتوحات قدم، فكانوا يرون ذلك لا نفسهم مع ما يدين به فضلاؤهم من تفضيل أهل السابقة ومعرفة حقهم ، وما كانوا فيه من الذهول والدهش لأمر النبوة وتردد الوحي وتنزل الملائكة( [76] ).
ثم بيّن ابن خلدون كيف أن العرب قد استنكرت ذلك الوضع بعد استحكام العصبة وبعد انحسار ذلك الذهول والدهش الذي ارتبط بنزول الوحي وتنزل الملائكة قائلاً (فلما انحسر ذلك العباب وتنوسي الحال بعض الشئ وذل العدو واستفحل الملك ، كانت عروق الجاهلية تنبض ووجدوا الرياسة عليهم للمجاهدين والأنصار من قريش وسواهم، فأنفت نفوسهم ووافق أيام عثمان فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالأمصار( [77]).
لا شك أن ابن خلدون بجعله من (العصبية) عاملاً رئيساًً أدى إلى الخروج على عثمان رضي الله عنه قد نجح في أن يقدم لنا تفسيراً وتحليلاً دقيقاً ، فالخلاف لا يتعلق (بشخصية) عثمان وما كان من أمر سياساته، بقدر ما يتعلق بوضع اجتماعي (وافق) زمان عثمان رضي الله عنه فالخروج لم يكن علي عثمان الخليفة بقدر ما كان خروجاً علي وضع اجتماعي تمثل في (استثار قريش بالرئاسة).
ويعرض لنا ابن خلدون عدة وقائع وحوادث ليؤكد بها أن الصراع الذي كان في عهد عثمان رضي الله عنه كان في حقيقته صراع بين (قريش وبقية العرب). من ذلك ما أورده في تاريخه من اجتماع وجوه الناس وأهل القادسية للتسامر عند سعيد بن العاص بعد عزل الوليد بن عقبة ، ومن أنهم كانوا يفيضون في أيام الوقائع والأنساب، وأنهم كانوا ربما ينتهون إلى الملاحاة، كما حدث بين سعيد بن العاص والأشتر (. . . وقد قيل أن سعيداً قال يوماً إنما هذا السواد بستان قريش، فقال له الاشتر السواد الذي أفاء الله علينا باسيافنا تزعم انه بستان لك ولقومك، وخاض القوم في ذلك فأغلظ لهم عبد الرحمن الاسدي صاحب شرطتة فوثبوا عليه وضربوه حتى غشي عليه، فمنع سعيد بعدها السمر عنده فاجتمعوا في مجالسهم يسبون سعيداً وعثمان والسفهاء يغشونهم) ( [78]) .ثم ذكر ابن خلدون أنه لما بلغ عثمان الأمر كتب إلى معاوية حتى يردهم عن هذه الفتنة ، فاجري معاوية عليهم ما كان لهم بالعراق، ثم اخبرهم يوماً انه قد بلغه أنهم قد نقموا قريش واخذ يذكرهم بفضل قريش علي العرب، فقام احدهم ينكر ذلك ويقلل من شأن قريش ، فكان ان رماهم معاوية بقلة العقول ثم ذكر شأن قريش وان عزها إنما كان بالله في الجاهلية والإسلام ولم يكن بكثرة ولا شدة ، وكانوا علي أكرم أحساب وأكمل مروءة، ثم ذكر النبي صلي الله عليه وسلم وان الله ارتضى له أصحابه وكان خيارهم قريشاً فبني الملك عليهم وجعل الخلافة فيهم وانه لا يصلح ذلك إلا بهم ثم قرّعهم ووبخهم وهددهم، وكتب إلى عثمان انه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة( [79]).
لا شك أن هذه المعالجة للخلاف الذي دار حول عثمان رضي الله عنه تتسم بالعمق، فالخلاف لم يتعلق بشخصية عثمان – رضي الله عنه- وسياساته بقدر ما كان يتعلق بوضع اجتماعي وافق زمانه رضي الله عنه، فخروج الناس وثورتهم لم يكن علي الخليفة عثمان رضي الله عنه بقدر ما كان علي وضع اجتماعي اتسم بتحكم وغلبة عصبية قريش على غيرها من العصبيات أي أن الصراع كان في حقيقته صراع بين قريش وبقية العرب ، وهو الأمر الذي أكده ابن خلدون بشواهد ووقائع تاريخية.
هكذا نجد ابن خلدون في تناوله للأخبار والوقائع التاريخية لا يكتف بنقلها وسردها، إنما يقوم بتفسيرها وتعليلها في إطار قواعد العمران والظاهرات الاجتماعية، فتفوق وغلبة بعض القبائل علي سبيل المثال عالجه في إطار قاعدة (العزة للكاثر) ، وعالج ما كان من منازعات بين القبائل العربية في الجاهلية في إطار ظاهرة العصبية، وارجع انقسام الدولة الإسلامية بعد الخلافة وبني أمية إلى تعدد العصائب ، وكذلك ارجع انتصار معاوية على عليّ- رضي الله عنهما- إلى تعدد عصائب جيش عليّ رضي الله عنه، وتكشفت عبقريته عندما تناول مسألة اشتراط النسب القرشي في إطار ظاهرة العصبية التي أدت به إلى القول باشتراط العصبية الغالبة في الإمام مطلقاً، وكذلك ارجع ابن خلدون انتصار العرب المسلمين في الفتوحات إلى صفاتهم وخصائصهم الوحشية ، وأكّد ما قامت به الحوافز المادية -بجانب الروحية- من دور في تحريك المسلمين في الفتوحات وفي انتصاراتهم، وكذلك حاول أن يبرز الأسباب الحقيقية التي كانت تقف وراء الصراع الذي كان في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه والتي أدت إلى مقتله، فبين أن الصراع مرجعه وسببه تفشي العصبية وان الصراع في حقيقته ما هو إلا صراع بين قريش وبقية العرب.
إن تلك الشواهد تدل علي مقدرة ابن خلدون في رفع الخطاب التاريخي من مستوي السرد والنقل إلى مستوي التفسير والتعليل ، وعلي مقدرته علي تجاوز ظاهر التاريخ إلى باطنه وعرض الأخبار في إطار قواعد العمران وطبائعها ليصبح التاريخ بالفعل خبراً عن الاجتماع الإنساني.
هل تجاوز ابن خلدون مغالط المؤرخين؟
ولنتثبت من تطبيق ابن خلدون لمنهجيته التاريخية بقي علينا أن نجيب على سؤال وهو : هل استطاع ابن خلدون في تاريخه أن يتجاوز المغالط والأخطاء التي وقع فيها سابقيه من المؤرخين مثل التشيعات للآراء والمذاهب والاهتمام بتدوين غرائب الأخبار والمبالغة في ذلك؟
من أسباب المغالط في الكتابة التاريخية والتي ذكرها ابن خلدون في مقدمته التشيعات للآراء والمذاهب، وبالرغم من أن ابن خلدون قد وقع في هذا الخطأ في بعض أجزاء مقدمته كما هو واضح عند معالجته لقصة العباسة أخت الرشيد ( [80]) وكذلك عند تناوله لمسألة الطعن في نسب إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ( [81]) إلا أنّ الأمر أوضح واشد عند غيره من المؤرخين كالمسعودي ولعل تناول المسعودي لمسألة تنامي وازدياد الثروات علي عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه يؤكد ذلك.
فقد تحامل المسعودي كثيراً علي عثمان رضي الله عنه بسبب تعاظم وتنامي الثروات والأموال علي عهده، ففي حديثه عن عهد عثمان رضي الله عنه نجده يركز علي هذا الأمر، فقد نبه وأشار إلى ثرواته رضي الله عنه وغناه والي صفات تتعلق بالجانب المادي فنجده يقول في (مروج الذهب) : (كان عثمان في نهاية الجود والكرم والسماحة والبذل في القريب والبعيد... وبني داره في المدينة وشيدها بالحجر والكلس وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واغتني أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة)( [82]).
وأخذ المسعودي يعدد ثروة عثمان رضي الله عنه، وثروة بعض الصحابة علي عهده أمثال الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف والمقداد وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ( [83]).
وينتهي المسعودي إلي انه يَصْعُب تتبع مَنْ تملك الأموال في زمان عثمان رضي الله عنه لكثرتهم قائلاً (هذا باب يتسع ذكره ويكثر وصفه، فيمن تملك من الأموال في أيامه)( [84]).
ويمضي المسعودي في تحامله علي عثمان رضي الله عنه إلي مدي ابعد من ذلك فيشير إلي أن الأمر لم يكن بصورته هذه علي أيام عمر رضي الله عنه قائلاً (ولم يكن مثل ذلك في عهد عمر بن الخطاب بل كانت جادة واضحة وطريقة بينه)( [85]).
ولا يكتف المسعودي بهذه الإشارة بل يروي لنا مواقف وأحداثاً تدل علي زهد عمر رضي الله عنه وعدم تبديده للأموال من ذلك ما نقله قائلاً (وحج عمر فانفق في ذهابه ومجيئه إلي المدينة ستة عشر ديناراً وقال لولده عبد الله لقد أسرفنا في نفقتنا في سفري هذا)( [86]).
ويتحامل المسعودي علي عثمان رضي الله عنه قائلاً بأسلوب لا يخلو من طعن وغمز (فأين عمر ممن ذكرنا وأين هو عما وصفنا)( [87])
أما ابن خلدون فقد حاول أن يعالج المسألة بطريقة أدق وأعمق وفي إطار قواعد الاجتماع البشري ، فابتداء بيّن ابن خلدون نقلاً عن المسعودي أن الأموال قد كثرت أيام عثمان رضي الله عنه وأخذ يعدد أموال عثمان رضي الله عنه والزبير وطلحة وزيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم( [88]) .
يقرر ابن خلدون إذ يقول أن تلك الأموال حلال لأنها غنائم وفيوء وان تصرفهم فيها لم يكن بإسراف إذ يقول (فكانت مكاسب القوم كما تراه ولم يكن ذلك منعياً عليهم في دينهم إذ هي أموال حلال لأنها غنائم وفيوء ولم يكن تصرفهم فيها بإسراف إنما كانوا علي قصد في أحوالهم كما قلناه ،... فإذ كان حالهم قصداً ونفقاتهم في سبيل الحق ومذاهبه كان ذلك الاستكثار عوناً لهم علي طرق الحق واكتساب الدار الآخرة)( [89]).
ويمضي ابن خلدون إلي ابعد من ذلك فيحاول إن يخضع الأمر إلي قواعد وعوائد العمران ، إذ يقرر إن الرفه والاستكثار من الأموال طبيعي إذ هو متعلق بطبيعة الملك الذي هو مقتضي العصبية، وان ذلك ليس بمنعي ولا مذموم لأنهم لم يخرجوا به عن مقاصد ومذاهب الحق إذ يقول (فلما تدرجت البداوة والغضاضة إلي نهايتها وجاءت طبيعة الملك التي هي مقتضي العصبية كما قلناه، وحصل التغلب والقهر كان حكم ذلك الملك عندهم حكم ذلك الرفه والاستكثار من الأموال فلم يصرفوا ذلك في باطل ولا خرجوا به عن مقاصد الديانة ومذاهب الحق( [90]).
اكتفي ابن خلدون بهذه المعالجة المتميزة والتي جاءت في المقدمة لذلك لا نجده في تاريخه- وكعادته حينما يستوفي المسائل والأخبار في المقدمة- يشير إلي الأمر مؤكداً بذلك أن العلاقات الداخلية بين (المقدمة) (والعبر) تنطلق من المقدمة لا العكس( [91]).
وليتجنب ابن خلدون الأخطاء التي تقع بسبب الميول والأهواء فانه كان يتوخي الدقة في اختيار المصادر التي ينقل عنها عند تدوينه للفترات التاريخية الدقيقة، كفترة الخلافة الراشدة وأحداث الفتنة، وتجنب تلك المصادر التي لا تخلو من الأهواء والشبه وآثر إن ينقل عن الطبري لسلامة مؤلفه التاريخي من ذلك، يقول ابن خلدون (وهذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات والحروب، ثم الاتفاق والجماعة، أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتاب محمد بن جرير الطبري، وهو تاريخه الكبير، فانه أوثق ما رأيناه في ذلك، وأبعد من المطاعن عن الشبه في كبار الأمة من خيارهم وعدولهم من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، فكثيراً ما يوجد في كلام المؤرخين أخبار فيها مطاعن وشبه في حقهم أكثرها من أهل الأهواء فلا ينبغي إن تسود فيها الصحف) ( [92]).
والمتتبع لتاريخ ابن خلدون يلحظ أنّ مؤلفه التاريخي يكاد يخلو من غرائب الأخبار والخرافات والأساطير التي تكاد تكون سمة غالبة في بعض التواريخ كتاريخ المسعودي( [93]).
وكتاب الياقوتية للطبري والبدء للكسائي( [94])، وكذلك فان مؤلف ابن خلدون التاريخي يكاد يخلو من المبالغة في الإحصاء إلا بعض الهنّات والسقطات خاصة تلك التي وردت خارج إطار الحقل التاريخي الذي حددناه سابقاً، ومن ذلك فعند حديثه عن الساسانية وملوكها الأكاسرة إلي حين الفتح الإسلامي، نجده يتحدث عن الملك ابرويز وعن أمواله قائلاً (وقال هشام جمع ابرويز من المال ما لم يجمعه أحد وبلغت عساكره القسطنطينية وأفريقية، وكان يشتو بالمدائن ويصيّف بهمدان وكان له اثنتا عشرة ألف إمرأة وألف فيل ، وخمسون ألف دابة ، وبنى بيوت النيران وأقام فيها أثني عشر ألف هربد ، وأحصي جبايته لثمان عشرة سنة من ملكه فكان أربعمائة ألف مكررة مرتين وعشرون ألف مثلها فحمل إلى بيت المال بمدينة طبسون وكانت هنالك أموال أخري من ضرب فيروز ابن يزد جرد منها اثنا عشرة ألف بدرة في كل بدرة من الورق مصارفة أربعة آلاف مثقال فتكون جملتها ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال مكررة مرتين في صنوف من الجواهر والطيوب والأمتعة والآنية لا يحصيها إلا الله تعالي( [95]) وكذلك يقول ابن خلدون أنّ طهمورث أول ملوك بابل وان جمشيد قد حكم بعده لسبعمائة سنة( [96]) .
ونخلص من ما تقدم أنّ ابن خلدون حاول إن يترجم تصوره ومنهجه في الكتابة التاريخية في مؤلفه التاريخي (العبر). فقد قام ابن خلدون بمعالجة الأخبار التاريخية وتفسيرها في إطار قواعد وطبائع العمران والظاهرات الاجتماعية ولا سيما ظاهرة العصبية.
وكذلك فانّ ابن خلدون قد حرص عند تناوله للأخبار التاريخية علي توخي الاعتدال والبعد عن التشيعات والميول والأهواء، وكذلك حرص علي تجاوز الأساطير والغرائب والمبالغة في الإحصاء، فجاءت الأخبار علي نحو يتوافق والمتعارف من طبائع وعوائد العمران.
كل ذلك يقف شاهداً علي إن (العبر) تكاد تكون ترجمة عملية للمنهجية التاريخية التي أوردها ابن خلدون في المقدمة ، وإذا كانت هذه الترجمة وهذا التطبيق دون مستوي النظرية فالسبب فيه ضخامة المهمة الملاقاة علي عاتق ابن خلدون، الذي كان عليه عند تدوينه للأخبار إن ينطلق من المقدمة بكل مبادئها وقواعدها ونظرياتها إلي مُؤلّفَه ومشروعه التاريخي الضخم (العبر) ، ولا يقدح ذلك في منهجه الذي اختطه ورسمه كأدق ما يكون في مقدمته.
وخير شفيع له انه قد فتح الطريق أمام غيره من المؤرخين لإتمام ما بدأه، وأنّه قدم دعوة صريحة للتعقيب والنقد قائلاً (. . وإن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره فللناظر المحقق إصلاحه ولي الفضل لأني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق) ( [97]).
فحق لابن خلدون أن يفتخر بمؤلفه التاريخي ويؤكد انه وقف علي الأخبار محللاً ومفسراً وانه وقف علي أحوال الاجتماع والقوانين التي تتحكم فيه، إذ يقول (فأنشأت في التاريخ كتاباً رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجاباً، وفصلته في الأخبار والاعتبار باباً باباً، وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً، . . .وسلكت في تبويبه مسلكاً غريباً ، . . . وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وم

http://drasatislamic.montadarabi.com

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى